نزيف الأرواح في صعيد مصر: بحث في دوافع الانتحار وجرائم القتل والخطف بالأقصر


بقلم: إسراء أحمد – مديرة العلاقات العامة بجريدة أخبار الساعة TV


"السكوت عن الألم لا ينقذ الأرواح:نظرة في أزمات الأقصر الإجتماعية".


في الوقت الذي يتغنى فيه العالم بعظمة الأقصر كأيقونة فرعونية خالدة، تعيش المدينة خلف جدران الصمت واقعًا آخر، مؤلمًا وصادمًا. 

واقعٌ تتصدر فيه أخبار القتل والانتحار والخطف عناوين الصفحات المحلية، في مشهدٍ غريب عن طبيعة المدينة الهادئة، ويثير في النفس أكثر من سؤال: ماذا يحدث في الأقصر؟ ولماذا أصبح العنف عنوانًا متكررًا في قلب الصعيد؟

من الجريمة إلى الانتحار.. نزيف لا يتوقف

قبل أشهر، اهتزت الأقصر على وقع جريمة بشعة حينما تجول شاب حاملاً رأس ضحيته في شوارع أبو الجود، في مشهد يكاد لا يصدق.

 لم يكن هذا الحادث الوحيد، فقد شهدت قرى عدة جرائم قتل داخل الأسرة نفسها، كأن يذبح شاب شقيقه أثناء نومه بسبب خلافات قديمة.

أما جرائم الخطف، فقد زادت وتيرتها خلال الفترة الأخيرة، مستهدفةً في أغلب الأحيان الأطفال والفتيات.

 وتتنوع دوافعها بين الابتزاز المالي، أو لأغراض أخرى أكثر ظلمة، وسط حالة من الفزع والقلق التي تعيشها الأسر الأقصرية.

أما الانتحار، فهو الوجه الأكثر هدوءًا لكنه أشد وجعًا. شباب في مقتبل العمر، قرروا إنهاء حياتهم بصمت، بعد أن عجزوا عن مواجهة ضغوط الحياة، أو إيجاد يد تُخرجهم من العزلة.

 المؤسف أن معظمهم لم يطرقوا باب المساعدة، وربما لم يشعر بهم أحد أصلاً.

الأسباب والدوافع: صرخات مكتومة في مجتمع مغلق

تقول الدكتورة منى عبد الستار، أخصائية الطب النفسي والاجتماعي:
"نحن أمام تراكم طويل من الكبت النفسي والحرمان العاطفي والاجتماعي. 

كثير من الحالات التي تتورط في جرائم أو تقرر الانتحار كانت تبحث عن التفريغ أو الإنصات.

 الصعيد بطبعه محافظ، ولا يسمح بسهولة بالبوح بالمشكلات، خصوصًا النفسية، فتتفاقم الأمور بصمت حتى تنفجر."

ويرى الشيخ عبد الرازق حسانين، أحد أئمة الأوقاف:
"هناك أيضًا بعد ديني مهم. بعض الشباب افتقدوا المعنى، والشعور بالانتماء.

 الجهل بأحكام الدين، وضعف الوازع الديني، وانتشار بعض المفاهيم الخاطئة جعلت بعضهم يبرر الانتحار أو العنف، وهو أمر يحتاج إلى تدخل قوي من العلماء والمؤسسات الدينية."

شهادات من الشارع: "مافيش حد بيسمعنا"

يقول "س.ع"، شاب عشريني من الأقصر:
"الواحد بيشتغل 12 ساعة ومش عارف يعيش. لا جواز، ولا بيت، ولا حتى أمل. وكل لما تشتكي، يقولوا اصبر، وربنا موجود. طيب الصبر له حدود."

وتروي "م.ن"، سيدة من أحد مراكز الأقصر:
"بنخاف على ولادنا يخرجوا من البيت. بقت الناس مش أمينة، وكل يوم نسمع عن بنت اتخطفت، أو ولد مات نفسه. الدنيا اتغيرت."

دور الإعلام: مسؤولية أخلاقية لا يجب أن تغيب

الإعلام اليوم ليس مجرد ناقل للأحداث، بل صانع للوعي، ومؤثر في السلوك الجمعي.

 ولهذا، فإن تجاهل الإعلام لقضايا مثل الانتحار والعنف الأسري والخطف، أو التعامل معها على أنها أخبار عابرة، يُعد تقصيرًا خطيرًا في أداء الرسالة.
من الضروري أن يتبنى الإعلام حملات توعوية حقيقية تفتح النقاش حول الصحة النفسية، وحقوق الأسرة، وتكشف عن النماذج الإيجابية والناجية بدلًا من الاكتفاء بالمآسي. 

يجب أن يُستخدم الإعلام كأداة للإنقاذ، لا للتخويف أو الإثارة.

نداء للمسؤولين: التدخل الآن.. قبل فوات الأوان

إلى كل من بيده القرار:
لا تتركوا الصعيد يواجه مصيره وحيدًا.
لا تسمحوا بأن تُقتل الأحلام في مهدها، أو أن تختفي أرواح بريئة في ظلال الإهمال.

افتحوا أبواب الدعم، وجهزوا مراكز الاستماع، وخصصوا ميزانيات للتأهيل النفسي والاجتماعي.

الأقصر وأخواتها من محافظات الجنوب يستحقن حياةً أكثر أمنًا وعدلًا ورحمة.

فلتكن هذه المقالة بداية حقيقية لصحوة مجتمعية، قبل أن يصبح الصمت عنوان المرحلة القادمة.

Post a Comment

أحدث أقدم